حيدر حب الله
120
فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
الأولاد ، رغم أن مبادرة نوح جاءت في وقت حقّت فيه كلمة العذاب ، فلم تعُد تنفع المبادرات ، ولهذا كان تعالى قد استثنى الهالكين عندما طلب من نوح إصعادهم إلى السفينة ؛ فقال سبحانه : ( حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ ) ( هود : 40 ) . وهكذا نجد في قصّة لوط أنه يتوجّه إلى الله تعالى ، بعد هدايته الطويلة لقومه ، فيقول : ( قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ * رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ * فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ ) ( الشعراء : 168 - 170 ) ، فنجد الحرص على الأهل ونجاتهم في كلمات الأنبياء متكرّرة ، كأنها تريد أن تعطي مؤشراً أوّلياً على مبدأ ما ؛ فهذا إبراهيم يدعو الله تعالى عند رفعه قواعد البيت فيقول : ( رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ * وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) ( البقرة : 128 - 132 ) ؛ فهذا الحرص وهذه الوصية من إبراهيم ويعقوب للأولاد تدلّ على حالةٍ ، كأنما يريد الله تعالى أن يركّزها في الوعي الإسلامي ، أي الاهتمام بالأسرة وحمايتها دينياً وأخلاقياً . بل نحن نجد مطالبةً أرفع من إبراهيم لذريّته حين يحدّثنا عنه فيقول : ( وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) ( البقرة : 124 ) ؛ فإن الإمامة التي طلبها إبراهيم أو أمّلها لذريته - مهما فسّرها المفسّرون - ليست مطلق الهداية ، بل مقامٌ أرفع من ذلك